الشيخ الطوسي
192
التبيان في تفسير القرآن
وكتمانه ودل " تلبسوا " على اللبس و " تكتموا " على الكتمان كما تقول : من كذب كان شرا له فكذب دليل على الكذب فكأنه قال : من كذب كان الكذب شرا له قوله : " وأنتم تعلمون " المعنى : قال قوم : هو متوجه إلى رؤساء أهل الكتاب ، ولذلك وصفهم بأنهم يحرفون الكلم عن مواضعه للتلبيس على أتباعهم - قالوا - وهذا تقبيح لما يفعلونه وكذلك قوله : " وتكتمون الحق " أي تتركون الاعتراف به ، وأنتم تعرفونه أي تجحدون ما تعلمون وجحد المعاند أعظم من جحد الجاهل ومن قال هذا ، لا يلزمه ما يتعلق به أهل التعارف ، من هذه الآية ، من قولهم : إن الله أخبر أنهم يكتمون الحق وهم يعلمون ، لأنه إذا خص الخطاب بالرؤساء - وهم نفر قليل - فقد جوز على مثلهم العناد والاجتماع على الكتمان وإنما يمنع مع ذلك في الجماعة الكثيرة ، لما يرجع إلى العادات ، واختلاف الدواعي كما قيل في الفرق بين التواطي والاتفاق في العدد الكثير وقال بعضهم : وأنتم تعلمون البعث والجزاء فان قيل : كيف يصح ذلك على أصلكم الذي تقولون : إن من عرف الله لا يجوز أن يكفر ؟ وهؤلاء إذا كانوا كفارا ، وماتوا على كفرهم كيف يجوز أن يكونوا عارفين بصفة محمد ، وأنه حق ، بما معهم من التوراة وذلك مبني على معرفة الله ، وعندكم ما عرفوا الله ؟ قيل : إن الله الذي يمنع أن يكفر من عرف الله ، إذا كان معرفته على وجه يستحق بها الثواب ، فلا يجوز أن يكفر ، لأنه يؤدي إلى اجتماع الثواب الدائم على إيمانه ، والعقاب الدائم على كفره والاحباط باطل وذلك خلاف الاجماع ولا يمتنع أن يكونوا عرفوا الله على وجه لا يستحقون به الثواب لان الثواب إنما يستحق ، بأن يكونوا نظروا من الوجه الذي وجب عليهم فأما إذا نظروا بغير ذلك ، فلا يستحقون الثواب ، فيكونوا على هذا عارفين بالله وبالكتاب الذي أنزله على موسى ، وعارفين بصفات النبي " ص " لكن لا يؤمنون مستحقين الثواب